1- أصول اللغة العربية

          اتفق علماء الأجناس وعلماء الأنساب على أنهم من – الفصيلة السامية – وكذلك المؤرخون المسلمون أرجعوا أصلهم إلى – سام بن نوح – عليه السلام وهو أحد الأصول الثلاثة التي تتفرع منها الأمم وهي (سام، وحام، ويافث) ، روى ابن عبد البر في كتابه عن أنساب العرب والعجم حديثاً عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم” ورواه أيضاً الترمذي وأحمد والحاكم عن سمرة، وذكره الحافظ العراقي في كتابه – القرب في محبة العرب – وحسنه.

ومع تكاثر (السامين) وتفرقهم في أنحاء مختلفة متباعدة من الأرض بدأت هذه اللغة تختلف لهجاتها وتتحول إلى عدد من اللغات، وهكذا كانت نشأة اللغات السامية وغيرها: وعلماء اللغات يقسمون اللغات ثلاث فصائل: (1) الفصيلة الحامية السامية. (2) الفصيلة الهندية الأوربية. (3) الفصيلة الطورانية.

اللغات السامية: وهي الآشورية، والبابلية، والآرامية، والكنعانية – ويراد بها العبرية – والفنيقية – ثم العربية، والحبشية.

أن اللغات السامية في بداية نشأتها كانت متقاربة جداً كما أسلفنا، حتى إنه ليمكن القول إنها كانت عبارة عن لهجات للغة واحدة. والدارس لهذه اللغات يستطيع أن يلحظ التشابه الشديد بينها، إذ أن أصحاب تلك اللغات كانوا عبارة عن أبناء أمة واحدة تفرقوا في منطقة المثلث (العراق، والشام، ووادي النيل، واليمن وحضرموت) واستوطنوا أنحاء بين هذه المنطقة على مدى حقب التاريخ وأنشأوا ممالك وحضارات واختلط كل قسم منهم بمن جاوره فتأثر به واستفاد منه، وهذا من أهم العوامل لاختلاف اللهجات واللغات وأحياناً لتلاشيها وضعفها، ولذلك فإن كثيراً من الباحثين يعتبر (العربية، والسوريانية، والآشورية، والآرامية، والكنعانية) لهجات للغة واحدة، ثم تمايزت بشكل كبير جعلها تتحول على مدى الأزمنة إلى لغات، والذي حمل هؤلاء على هذا الرأي وجود مفردات متشابهة بمقدار كبير في هذه اللغات (انظر الجدول الملحق بآخر البحث). بل إن بعض الدارسين يقول: إن السوريانية: أو الآسورية أو الآشورية المراد منها اللغة العربية التي كان ينطق بها أهل سورية وأن (آسورية) لهجة محرفة من (سورية) ووجدوا أن وجود التشابه بين (الحميرية) واللغة السوريانية أكثر من وجوه التشابه بينها وبين لغة قريش.

 2- أصوات اللغة العربية

أن الصوت اللغوي له عدة جوانب، منها الجانب العضوي الفسيولوجيPhysiological ، والأكوستيكى acoustic أو الفيزيائي physical .

في الأصوات الكلامية، وأهم هذه الأوضاع أربعة هي: الوضع الخاص بالتنفس breath ، وضعهما في حالة تكوين نغمة موسيقية musical note أو chest note، وضعهما في حالة “الوشوشة” whisper، وضعهما في حالة تكوين “همزة القطع”  glottal stop.

اتفق اللغويون على تفسيم أصوات اللغة إلى قسمين رئيسين: الأول: منهما ما يسمى في العربية بالأصوات الصامتة consonant، الثاني: ما يشار إليه بالحركات vowels.

فالأصوات الصامتة consonants، وتسمى بالحروف عند علماء العربية تختلف من لغة الى أخرى، ولكن درجة الاختلاف هنا أقل من درجة الاختلاف بين اللغات في حالة الحركات.

في اللغة العربية ستة وثلاثون صوتًا منها ستة صوائت مفردة وصائتان مزدوجان. ثلاثة من الصوائت المفردة قصيرة ولكل منها نظير طويل .وعدد الصوامت ٢٨ صامتًا، ثلاثة عشر منها احتكاكيًا والبقية تنطق بطرق مختلفة منها الأنفي والوقفي والتكراري والجانبي. كما أن المخرج اللثواسناني يستحوذ على عشرة صوامت بينما تتوزع البقية على عشرة مخارج أخرى تمتد من الشفتين إلى الحنجرة .

 3- بناء الكلمة للغة العربية

ويقوم بناء الكلمة في اللغات السامية على أساس الصوامت ويرتبط معنى المادة اللغوية في اللغات السامية بمجموع الصوامت التي تكون كل مادة، وأكثر الكلمات في اللغات السامية تتكون من مادة ثلاثية. وقد عبر النحاة العرب عن هذه الصوامت بالفاء والعين واللام، وتقوم فكرة الميزان الصرفي على أساس التمييز بين الحروف الأصول الممثلة في الميزان الصرفي بالفاء والعين واللام وبين ما يطرأ على الكلمة المفردة من تغيير بالإضافة أو الحذف. ويرتبط معنى الكلمات الكثيرة المشتقة من المادة اللغوية الواحدة في اللغات السامية بالصوامت فالكلمات: كَتَبَ، كُتِبَ، كتاب، مكتب، مكتبة، مكتبات، تكون أسرة واحدة تقوم وحدتها على أساس وجود الأصوات الصامتة الثلاثة، الكاف والتاء والباء بهذا الترتيب. ويؤدي وجود هذه الأصوات الصامتة الثلاثة إلى تحديد المعنى الأساسي الذي تدور حوله معاني الكلمات تتابع هذه الصوامت. ويتحدد المعنى الخاص لكل كلمة من هذه الكلمات المشتركة في الحروف الأصول بمعايير أخرى، فالحركات المختلفة من ضم وفتح وكسر تشكل الصيغ المختلفة داخل الإطار الدلالي الذي حددته الصوامت وبذلك تختلف كلمة: كَتَبَ عن كلمة: كُتِبَ رغم اتحاد الحروف الأصول لأن الأولى بوزن: فَعَلَ المبني للمعلوم والثانية: فُعِلَ المبني للمجهول وتتكون صيغ صرفية كثيرة بإضافة سوابق مثل الميم، نجد هذا مثلا في الكلمات: مكتب مكتبة. تتكون صيغ صرفية أخرى عن طريق إلحاق نهاية تؤدي معنى محددًا. وذلك مثل نهاية المذكر السالم وجمع المؤنث السالم بالنسبة للأسماء. وهكذا يقوم بناء الكلمة في اللغات السامية على أساسين متكاملين: المادة اللغوية، والوزن.

وتصنف الأسماء في اللغات السامية وفق معايير ثابتة يمكن تطبيقها على كل اللغات السامية لأنها مستخرجة منها. هذه المعايير ليست انعكاسًا لمنطق عقلي عام ليس له وجود. ولكن واقع اللغات السامية جعل من الممكن تحديد معايير تغيرات الصيغ في الأسماء فيها وفق ثلاثة جوانب، هي: العدد number والحالة الإعرابية case والجنس gender.

والمقصود هنا بالعدد كل ما يتعلق بالإفراد والتثنية والجمع. أما الحالة الإعرابية للأسماء في اللغات السامية فذات تنوع ثلاثي. وقد أطلق النحاة العرب على هذه الحالات الإعرابية مصطلحات الرفع والنصب والجر، ويعد الإعراب على هذا النحو الثلاثي في العربية امتدادًا للغة السامية الأولى وقد احتفظت اللغة الأكادية بظاهرة الإعراب على هذا النحو أيضا فالخط الأكادي يثبت الحركات دائمًا، ولذا فقد أمكن التعرف من رموزه المدونة على حقيقة أن الاسم في الأكادية كان يتخذ ثلاثة أشكال، ينتهي أحدها بالضمة والثاني بالفتحة والثالث بالكسرة، وتطابق هذه الأشكال الثلاثة للاسم الأكادي الأشكال المقابلة في العربية رفعًا ونصبًا وجرًّا، لم تحتفظ أكثر اللغات السامية بالنهايات الإعرابية وفقدت اللهجات العربية التمييز بين الحالات الإعرابية للاسم أيضًا، ولكن الباحثين يرون الإعراب على نحو ما تعرفه العربية وما عرفته الأكادية ظاهرة أصيلة في اللغة السامية الأولى.

وتصنف اللغات السامية الأسماء أيضا من ناحية الجنس إلى ما يطلق عليه المذكر وما يطلق عليه المؤنث، ولا علاقة هنا بين الواقع الخارجي والصيغ اللغوية، وإنما تعارف النحويون على وصف صيغة الاسم بأنها من المذكر أو المؤنث على سبيل الاصطلاح والتقريب فقط، وتتضح نسبية هذا التقسيم بالنظر في الأشياء التي ليس لها بحكم طبيعتها أي نصيب من التذكير والتأنيث مثل: الكتاب. والشمس. والمنضدة.

 4- بناء الجملة للغة العربية

أما من ناحية بناء الجملة فالاختلاف كبير بين اللغات السامية في عصورها القديمة واللغات السامية في العصور التالية، ويبدو أن اللغة السامية الأولى لم تكن ذات جمل طويلة، بل كانت تسودها ظاهرة التوازي Parataxe أي أن الجمل كانت قصيرة وترتبط الجملة بالأخرى عن طريق الواو، فهذه الجمل القصيرة تتوازى الواحدة بجانب الأخرى.

ونجد في اللغة العبرية القديمة ظاهرة التوازي ونجدها أيضا في اللغة العربية في نصوصها القديمة إلى حد كبير. فالجمل قصيرة، والواو تربط بين جملة قصيرة وأخرى، ولكننا نلاحظ بمضي الوقت أن اللغات السامية أخذت تكون شيئًا فشيئًا جملا طويلة معقدة، فالجملة العربية تعقدت مع تطور الفكر ورقيه تعقيدًا كبيرًا، حتى إننا نجد صيغ الاستثناء والقصر في العربية على نحو لا نجده في اللغات السامية التي دونت قبل العربية. فكلما تقدم الزمن تعقدت الجملة ولم تعد على بساطتها الأولى، ظهر نمط جديد يطلق عليه التركيب Hypotaxe.

ومن الممكن أن تلاحظ إلى اليوم سيادة ظاهرة التوازي في اللهجات العربية ولا سيما عند المتحدثين الذين لم يتأثروا بالفصحى كثيرًا، ونلاحظ نفس الظاهرة في اللغة المهرية، فالجملة فيها قصيرة تتكون من بضع كلمات لا تزيد، وسرعان ما تنتهي الجملة وتبدأ أخرى، فالكلام العادي يتكون من وحدات صغيرة متراصة الواحدة بجانب الأخرى. وهذا شأن اللغات التي لم تدخل بعد إلى مرحلة التعبير عن الفكر المعقد المتنوع، فما أشبه بساطة الجملة المهرية بالجملة التي كتبت في النقوش العربية القديمة، وما أبعد هذه الجمل البسيطة عما نقرأه في النثر العربي الحديث. فالجملة تتعقد كلما دخلت إلى مجال التعبير عن الأفكار الكثيرة المتميزة والمتنوعة.

وتعقد أنماط الجملة وتنوعها على مستوى التأليف يعد سمة عامة، تقابلها سمة التوازي على مستوى اللغة المنطوقة، فعندما يكون الحديث باللغة الفصحى في أحد المواقف الكلامية التي يحدث فيها ذلك نلاحظ رغم هذا أن الجمل المنطوقة أقل تركيبًا من الجمل المكتوبة، ففي اللغة الألمانية يمكن أن تكون الجملة المكتوبة الواحدة من خمسة أسطر ولكن الجملة المنطوقة الفصيحة لا يمكن في الأحوال الكلامية العادية أن تبلغ نصف هذا الطول. ليست الجمل المكتوبة طويلة لمجرد أن وحداتها كثيرة متوازية، ولكنها طويلة لأن بها وحدات كثيرة متكاملة في نظام محكم يضمها جميعا في إطار جملة واحدة مركبة، ولم تكن الجملة السامية الأولى تعرف مثل هذا التركيب، فأقدم النصوص السامية تسودها الجمل الصغيرة المتراصة. ما أشبه هذه الجمل الصغيرة المتوازية بالاستخدام اللغوي عند الطفل، فالطفل يستخدم أيضا في حديثه العادي جملا صغيرة كثيرة. وكلما ارتقى فكره تعقدت جمله شيئا فشيئا.

 5- علوم اللغة في التراث العربي

1- النحو وعلم العربية :أطلق علماء اللغة على دراسة بنية اللغة من جوانبها الصوتية والصرفية والنحوية في التراث العربي اسمين اثنين، هما النحو، وعلم العربية، ويرجع مصطلح النحو إلى القرن الثاني الهجري، وظل مستخدما لوصف هذا المجال من مجالات البحث إلى يومنا هذاوظل الباحثون في القرون الأولى للهجرة يستخدمون مصطلح النحو في أكثر الأحوال بهذا المعنى العام

وهناك مؤلفون آخرون استخدموا كلمة النحو بمدلول أضيق، فقصروا استخدام هذه الكلمة على البحث في بناء الجملة، وبهذا المعنى المستقر للمصطلح في القرون المتأخرة للحضارة العربية الإسلامية. وهناك مصطلح آخر وصف به البحث في بنية اللغة، وهو مصطلح ” العربية” أو ” علم العربية “. لقد وصل إلينا المصطلحات في مؤلفات القرن الرابع الهجري، فابن النديم وابن فارس يستخدمان مصطلح العربية بمعنى النحو. فعندما نوقشت قضية أولية التأليف في النحو نجد عندهما العبارة التالية : “أول من وضع العربية ” وظل استخدام هذين المصطلحين في كتب المشارقة في القرون التالية يمثل ظاهرة فردية محددة، على نحو ما نجد في مؤلفات ابن الأنباري (ت 577 هـ)، ولكن المغاربة والأندلسيين كانوا يفضلون وصف ذلك التخصص بأنه  علم العربية. أما مصطلح ” الصرف” الذي استقر في الاستخدام المدرسي بعد ذلك فهو اصطلاح متأخر نسبيا. فالسكاكي ( ت 617هـ) استخدم مصطلح الصرف في حديثه عن الأحكام الخاصة ببنية الكلمة ، وبهذا المعنى ذكر طاشكبري زاده علم الصرف . ويلاحظ عند هؤلاء المؤلفين المتأخرين أن الصرف عندهم ليس جزءا من النحو، بل هو قسيم النحو. وهكذا استقر مجال علم النحو عندهم باعتبار أنه دراسة الإعراب وبناء الجملة في مقابل الصرف الذي يتناول بنية الكلمة.

2- اللغة وعلم اللغة وفقه اللغة: أطلق المؤلفون العرب على الاشتغال بالمفردات اللغوية جمعًا وتأليفًا عدة مصطلحات أقدمها مصطلح “اللغة”. لقد وصف أبو الطيب اللغوي، ت 351هـ، أبا زيد الأصمعي وأبا عبيدة. وقارنهم من جانب معرفتهم باللغة. كان أبو زيد أحفظ الناس للغة، وكان الأصمعي يجيب في ثلث اللغة، وكان أبو عبيدة يجيب في نصفها، وكان أبو مالك يجيب فيها كلها1. والمقصود هنا بكلمة اللغة مجموع المفردات ومعرفة دلالاتها. وبهذا المعنى كانت كتب الطبقات تميز بين المشتغلين بالنحو أو العربية من جانب والمشتغلين باللغة من الجانب الآخر. لذا عد سيبويه والمبرد من النحاة بينما عد الأصمعي وأقرانه من اللغويين. وقد ظل استخدام كلمة اللغة بهذا المعنى عدة قرون، وأصبح اللغوي هو الباحث في المفردات جمعًا وتصنيفًا وتأليفًا.

وهناك مصطلح ظهر في القرن الرابع الهجري عند اللغوي العربي ابن فارس، ت 395هـ، وأخذه عنه الثعالبي، ت 429هـ. لقد أطلق ابن فارس على أحد كتبه “الصاحبي في فقه اللغة”، وبذلك ظهر مصطلح فقه اللغة لأول مرة في التراث العربي عنوانًا لكتاب، وتسمية لفرع من فروع المعرفة. ولم ينتشر هذا المصطلح إلا بقدر محدود، وأشهر من استخدمه بعد ابن فارس- لغوي أديب هو الثعالبي، فقد سمى كتابه “فقه اللغة وسر العربية”. يتفق كتابا ابن فارس والثعالبي، في معالجتهما لقضايا الألفاظ العربية، فموضوع فقه اللغة عندهما هو معرفة الألفاظ العربية ودلالاتها وتصنيف هذه الألفاظ في موضوعات وما يتعلق بذلك من دراسات1. يضم كتاب ابن فارس إلى جانب هذا مجموعة من القضايا النظرية حول اللغة، من أبرزها قضية نشأة اللغة، فإذا كان العلماء قد اختلفوا في ذلك فرآها البعض “اصطلاحًا” أي عرفًا اجتماعيًّا فإن ابن فارس رفض هذا الرأي واعتبرها توقيفًا أي بمنزلة الوحي المنزل من السماء. ولا يدخل موضوع اللغة ولا موضوع ارتباط اللغة بالوحي في إطار قضايا علم اللغة الحديث، لأنه ليس من الممكن بحث الموضوعين بمعايير علمية دقيقة.

أما مصطلح “علم اللغة” فقد استخدم عند بعض اللغويين المتأخرين وكان المقصود منه دراسة الألفاظ مصنفة في موضوعات مع بحث دلالاتها. فالرضي الاستراباذي يفرق بين علم اللغة وعلم التصريف، موضوع الأول: دراسة الألفاظ، والثاني: معرفة القوانين الخاصة ببنية هذه الألفاظ، أما أبو حيان فقد ذكر مصطلح علم اللغة في عدة كتب له، وموضوع علم اللغة عنده هو دراسة مدلول مفردات الكلم. ولا يختلف استخدام مصطلح علم اللغة عند ابن خلدون عن هذا المعنى، فعلم اللغة عنده هو بيان الموضوعات اللغوية والمقصود بذلك الدلالات التي وضعت لها الألفاظ.

وهناك اصطلاحا آخر أطلقه بعض المؤلفين على دراسة دلالات المفردات اللغوية وهو اصطلاح “علم متن اللغة” وقد حاول المرصفي وحمزة فتح الله استخدام هذا المصطلح بهذا المعنى، كما أطلق أحمد رضا أيضا على معجمه متن اللغة. وهكذا استخدم المؤلفون العرب قبل العصر الحديث، وتابعهم المؤلفون السلفيون في أوائل القرن العشرين بصفة خاصة مصطلحات اللغة وفقه اللغة وعلم اللغة ومتن اللغة في عناوين مؤلفاتهم أو وصفًا لجهود مؤلفي المعاجم وكتب المفردات اللغوية.

3– علم اللسان وعلوم الأدب والعلوم العربية: ترجع أول محاولة جادة لترتيب علوم اللغة في نسق واحد إلى الفارابي، وقد أطلق الفارابي على كل العلوم اللغوية اسما شاملا لها هو “علم اللسان”، يتألف علم اللسان عنده من عدة مجالات.

ويدل مصطلح علوم الأدب عند ابن الأنباري على علوم اللغة: النحوواللغة والتصريف وعلم الجدل في النحو وعلم أصول النحو بالإضافة إلى العروض والقوافي وصنعة الشعر وأخبار العرب وأنسابهم. أي أن علوم الأدب تشمل عند ابن الأنباري مجموعة العلوم اللغوية والأدبية وما يتعلق بها من معارف.

          ويقوم تصنيف طاشكبري زاده للعلوم اللغوية وما يتعلق بها من دراسات على أساس التمييز بين ما يتناول “المفردات” من جانب وما يتناول “المركبات” من الجانب الآخر … ظل مصطلح العلوم العربية مستخدمًا عند أصحاب الثقافة السلفية في العالم العربي الحديث. فقد صنف الشيخ المرصفي العلوم العربية إلى علم “متن اللغة” و”فقه اللغة” و”علم الصرف” و”علم النحو”، والفرق بين علم متن اللغة وفقه اللغة عند المرصفي أن الأول يبحث في “أوضاع الألفاظ لمعانيها” والثاني يبحث الألفاظ “باعتبار تخالفها في المعاني التي وضعت لها” أي أنه يعتبر علم متن اللغة هو معرفة المعاني الحقيقية للألفاظ وفقه اللغة هو دراسة الفروق في المعاني.

 6- العربية في ضوء اللغات السامية

1- الخطوط السامية والواقع الصوتي : نكتب اللغات السامية بعدة خطوط ولكل خط منها خصائصه الشكلية وامكانياته التعبيرية. فالخط المسامري الذي دونت به اللغة الأكادية يدون الكلمات مقسمة إلى مقاط، وبذلك احتفظ الخط الأكادي رغم صعوبته بتدوين الحركات مع الصوامت. ومن هذا الجانب تفصح الكتابة الأكادية عن طبيعة، الحركات سواء أكانت في وسط الكلام أم في آخره. وهناك لغات سامية قديمة لم يتح خطها التعرف على الحركات التي كانت بها، فاللغة العربية الجنوبية القديمة واللغة الأجريتية واللغة الفينيقية دون كل منها بخط متميز من الناحية الشكلية. فالخط العربي الجنوبي لا يشبه الخط الأجريتي والخط الفينيقي. ولكن هذه الخطوط في سمة أساسية ، وهي أنها تدون الصوامت ولا تدون الحركات.

وبمقارنة الكلمات الأساسية المشتركة في كل اللغات السامية يستطيع الباحث أن يتبين مجموعة من السمات المشتركة المغرقة في القدم. فكل اللغات السامية لاتتمايز أو تختلف أي اختلاف من ناحية أصوات الراء واللام والنون والتاء والدال. فالراء العربية يقابلها راء في الأكادية، وراء في العبرية وراء في الآرامية وراء في الحبشة دون أدنى تغيير حقيقي.

3- القوانين الصوتية (1) الثاء العربية ومقابلاتها في اللغات السامية: تدل مقارنة مجموعة من الألفاظ الأساسية في اللغات السامية والتي جاء في صيغها العرابية صوت الثاء أن الأكادية تعرف مكانها صوت الشين، وأن العبرية تعرف في مكانها الشين أيضا. ولكن الآرامية تعرف التاء، والحبشية تعرف السين في نفس المواضع؛ (2) الضاد العربية ومقابلاتها في اللغات السامية: وصفت العربية بأنها لغة الضاد وكأن الضاد لم تأت الا في العربية. والواقع أن الضاد من الأصوات التي تشترك فيها العربية الشمالية مع العربية الجنوبية القديمة. ويقابلها في اللغات السامية الشمالية الصاد في العبرية والأكادية، والعين في الآرامية.

4- أصوات عربية تختلف عن السامية الأولى: يقابل الفاء في العربية صوت آخر في اللغات السامية الأخرى وهذا الصوت الآخر هو الباء المهموسة (p) ويتضح هذا التقابل من الحدول التالي لكلمت فم العربية وما يقابلها اشتقاقيا في اللغات السامية الأخرى. وهناك فرق آخر بين الأصوات العربية والأصوات التي افترض الباحثون وجودها في اللغة السامية الأولى، ويتعلق هذا الفرق بمجموعة أصوات السين والشين. تضم هذه المجموعة في العربية صوتين فقط هما السين والشين، ولكنها تضم في لغات سامية أخرى مثل المهرية ثلاثة أصوات هما السين الجانبية والسين والشين.

5- الضمائر: يتناول التحليل المقارن لبنية الكلمة كل مفردات اللغة، وبهذا يتناول المنهج المقارن أنواعًا من الكلمات كانت خارج إطار التحليل الصرفي عند النحاة العرب. وأهم هذه الأنواع الضمائر وأسماء الإشارة والأسماء الموصولة وأسماء الاستفهام ويصنف علم اللغة الحديث كل هذه الأنواع تحت اسم “الضمائر”، وتضم الضمائر بالمعنى الحديث الضمائر الشخصية وضمائر الإشارة والضمائر الموصولة وضمائر الاستفهام1 وإذا كان التحليل الصرفي عند النحاة العرب لا يتناول هذه الكلمات، فإنها تكون أحد موضوعات البحث في علم اللغة المقارن إلى جانب البحث في الأسماء “الأخرى) والأفعال والأدوات.

6- الأسماء الثنائية: تقوم فكرة الميزان الصرفي عند النحاة العرب على أساس أن أكثر الألفاظ العربية من أصل ثلاثي وقد أثبت البحث المقارن في اللغة السامية أن الأصل الثلاثي كامن وراء أكثر كلمات اللغات السامية وفي نفس الوقت ظهر عن طريق المقارنة بين مجموعة من الكلمات يمكن أن ترد إلى أصول ثنائية.

7- الأفعال: هناك مجموعة من الأفعال التي نعرفها في شكل ثلاثي، ويمكن ردها بالمقارنة إلى أصل ثنائي. وتنتظم هذه الأفعال في مجموعتين: أفعال تبدأ بالسين، و أفعال تبدأ بالنون.

8- تحديد الجذور في ضوء المقارنات: توضح الدراسات المقارنة عدة حقائق تجاه تحديد الجذور في بعض الكلمات. لقد ورد الفعل “هرق” في اللغة العربية وكأنه من الجذر “هرق” والواقع أن الهاء هنا ليست أصلية، بل هي هاء وزن “هَفْعَلَ”، وهذا الوزن قياسي في العبرية والعربية الجنوبية في مقابل وزن “أَفْعَلَ” في العربية الشمالية، ولعل مقارنة كلمة أراق وكلمة هراق بنفس المعنى توضح لنا أن الأولى بوزن أَفْعَلَ وأن الثانية بوزن هَفْعَلَ، وكلا الوزنين للتعدية في اللغات السامية. وعلى ذلك فكلمة هراق بوزن هفعل، ومن الممكن أن تكون دخيلة من العربية الجنوبية، ومن الممكن أيضًا أن تكون راسبًا من اللغة السامية الأولى إذا افترضنا أنها عرفت أيضًا وزن هفعل للتعدية، ويصدق ما ذكرناه حول كلمة هراق على كلمات أخرى في العربية مثل: هجرع، هيلع… إلخ. وقد يكشف بحث الكلمات المبدوءة بالهاء في العربية عن أمثلة كثيرة من هذا النوع الهاء فيها زائدة لا أصلية.

وغير ذلك من المباحث الألفاظ المشتركة، والدخيل في ضوء القوانين الصوتية، و المقارنات اللغوية وتاريخ الألفاظ.

  7- اللغة العربية الفصحى

هي لغة القرآن الكريم المنزل بلسان قريش وقبائل عدنان القاطنة في مختلف أقاليم جزيرة العرب. انتشرت لغة القرآن الكريم مغطية اللهجات الأخرى التي إنزوت ولم تحافظ على أصالتها أمام التداخل الأعجمي نتيجة قلة الآثار المكتوبة بها، وبذلك حافظ القرآن الكريم على اللغة العربية الفصحى ومنع دخول الألفاظ الأعجمية والعامية عليها وأصبحت هي كأساس لزيادة مصطلحات باقي اللهجات العربية الأخرى ونتيجة للتطور المهول قد استعار علماء اللغة بعض الكلمات من اللغات الأخرى كالأوروبية لإضافتها إلى مجال التعليم عن طريق ترجمة العلوم والمصطلحات.

وما العامية إلا الوجه الآخر للفصحى محرفا ، قليلا أو كثيرا على سن الجماهير. ونطقهم ولقد كانت الفصحى في كل العصور قريبة من فهم الجماهير مهما بلغت أميتهم وكان الخطباء حينما يتحدثون بالفصحى إلى سواد الناس يلهبون مشاعرهم ويدغدغون عواطفهم وكان الأميون من الناس يحتشدون لسماع الخطب الفصيحة في المساجد والمحافل الدينية دون أن يجدوا أدنى عقبة في فهم لغة الخطيب.

وفصل اللغويون اللغة العربية إلى ثلاثة أصناف رئيسية، وهي: التقليدي أو العربي القياسي، والرسمي، والمنطوقة أو لغة عربية عامية. العربي التقليدي هو الشكل للغة العربية الذي يوجد بشكل حرفي في القرآن .العربية القرآنية استعملت فقط في المؤسسات الدينية وأحيانا في التعليم. واللغة الرسمية مستعملة في الوطن العربي وهي مستعملة في الأدب غير الديني، مثل مؤسسات. اللغة العاميّة يتكلّمها أغلبية الناس كلهجتهم اليومية. العربية العامية مختلفة من منطقة إلى منطقة.

وفي عصرنا الحاضر نجد ظواهر تطور اللغة العربية الفصحى وهي اللغة العربية المعاصرة. العربية المعاصرة هي فصحى العصر الذي نعيشه، فهي السجل المكتوب لثقافة العصر. وصلة العربية المعاصرة بالفصحى المثالية كصلة الابن بأبيه، يحمل الابن صفات وراثية وثقافية عن الأب ويختلف عنه في أنه يعيش في زمن غير زمن أبيه. واختلاف الزمن يحمل في طياته اختلافا في الرؤية والتفكير وفي أمور الثقافة جميعا.

وتتغير اللغة العربية كغيرها من اللغات بمرور الزمن وما يستجد من أحوال اجتماعية ودينية وثقافية وسياسية. ففي الفصحى المعاصرة تغيرت معاني ألفاظ كثيرة عما سجلته المعاجم القديمة إما بتعميم دلالتها بعدما كانت خاصة أو العكس، وإما بنقل مجازي للدلالة بسبب المجاورة أو السببية أو اعتبار ما سيكون، أو غيرها من طرق النقل.

 8- تطوّر المعجم العربى

المعجم العربى هو كتاب يضم ألفاظ اللغة العربية مرتبة على نمط معين مشروحة شرحًا يزيل إبهامها، ومضافًا إليها ما يناسبها من المعلومات التي تفيد الباحث، وتعين الدارس على الوصول إلى مراده.

إذا كانت كلمة “معجم” تطلق اليوم على : كل ديوان يجمع مفردات اللغة ومرتب على حروف الهجاء، فأننا نقصد بقولنا “المعجم العربى”: مجموعة الثروة العظيمة التى خلفها علماء العربية، على مدى العصور فحفظوا لنا بها لغة العرب، لغة القرآن الكريم، اللغة التى نفخر بها ونعتز.

وتطوّر المعجم فى القديم ظهر لنا فيما سبق بيانه، وهذا هو معجم يجد فى قديم وحديث:

1- المعاجم القديمة: (1) أساس البلاغة – محمود بن عمر الزمخشري ( 467-538هـ ). فقد رتّب الألفاظ على الحرف الأول فالثاني وما بعده، ورتّب المعاني بالنظر إلى الحقيقة والمجاز، فذكر المعنى الحقيقيّ ثمّ المجازيّ. (2) مختار الصحاح – محمد بن أبي بكر الرازيّ (- 666 هـ). اختصر فيه الصحاح للجوهريّ مع الزيادة عليه ممّا رآه مهمّاً للعالم والفقيه والأديب ممّا يكثر جريانه على الألسنة. أمّا منهجه فكمنهج أساس البلاغة. (3) المصباح المنير – أحمد بن محمد المُقْري الفيّوميّ (- 770 هـ). شرح فيه غريب شرح الرافعيّ للوجيز في الفقه، ورتّب الألفاظ ترتيباً ألفبائيّاً على حروفها الأصول، ولكنّه عُني بالمشتقات كثيراً، وأشار إلى أبواب الأفعال والجموع، وفصّل في المسائل اللغويّة والصرفيّة والنحويّة.

2- المعاجم الحديثة: تعدّدت المعاجم العربية الحديثة وكثُرت وتفاوتت بين مجيدٍ ومقصّرٍ، وسلك بعضها مسلك المعاجم القديمة، وحاول بعضها التجديد في مادّتها بإدخال بعض الألفاظ التي لم تدخل في المعاجم القديمة. منها: (1) محيط المحيط – بطرس البستانيّ، فرغ من تأليفه عام 1286هـ – 1869م، وقد اتخذ من القاموس المحيط للفيروزآبادي أساساً لمادة معجمة، وأضاف ما فات الفيروزآبادي من مفردات عثر عليها في معاجم أخرى. وحذف أسماء الأماكن والأشخاص والقبائل والمشتقات القياسية وبعض اللغات. وصاغ التفسيرات صياغة تلائم روح العصر الحديث وأضاف غير قليل من المفردات والمعاني المولدة والمسيحية والعامية والمصطلحات العلمية والفلسفية.(2) المنجد: للأب لويس المعلوف،  أخرجه سنة 1908م اختصر فيه محيط المحيط البستاني وسار على نظامه. ورجع إلى التاج كثيراً في تفسير مواده. واستعان بالرموز على غرار المعاجم الأجنبية فرمز للصيغ وتكرار اللفظ المشروح. وأكثر من الصور الموضحة. فلقي رواجاً منقطع النظير لما انطوى عليه من مميزات فهو مبّرأ من فضول القول والاستطرادات وتعدد الأوجه مكثف المادة غزيرها رائق في حجمه ومظهره. غير أنه مع هذا كله لا يصلح مرجعاً موثوقاً للباحثين المختصين لوقوعه في بعض الأخطاء ولأنه مشوب في عدد من مواده بأمور تتصل بالدين الإسلامي والتراث العربي مما درج على ترديده عدد من المستشرقين المغرضين. وعلى الرغم من تعدد طبعاته فإن القائمين على طبعه لم يتلافوا المآخذ التي دأب الباحثون على كشفها فيه طوال هذه السنين العديدة.

Iklan